محمد بن وليد الطرطوشي

480

سراج الملوك

عسكر المسلمين من الشجعان ، الذين نعرفهم كما يعرفوننا ، ومن غاب منهم ومن حضر ، فذهب ثم رجع ، فقال : فيهم فلان وفلان ، حتى عد سبعة رجال ، قال : انظر الآن من في عسكرى من الرجال المعروفين بالشجاعة ومن غاب منهم ، فعدّوهم فوجدوهم ثمانية رجال لا يزيدون ، فقام الطاغية ضاحكا مسرورا ، وهو يقول : يا بياضك من يوم ، ثم ناشب الحرب « 1 » بينهم ، فلم تزل المصابرة بين الفريقين ، لم يولّ أحدهم دبره ، ولا تزحزح عن مقامه ، حتى فنى أكثر العسكرين ، ولم يفرّ واحد منهم ، فلما كان وقت العصر ، نظروا إلينا ساعة ، ثم حملوا علينا حملة واحدة ، وداخلونا مداخلة ، ففرّقوا بيننا ، وصرنا شطرين ، وحالوا بيننا وبني أصحابنا ، وصاروا بيننا ، فكان ذلك سبب وهننا وضعفنا ، ولم نقم الحرب إلا ساعة ونحن في خسارة معهم ، فأشار مقدّمو العسكر على السلطان أن ينجو بنفسه ، وانكسر عسكر المسلمين وتفرق جمعهم ، وملك العدو مدينة وشقة . فليعتبر ذو الحزم والبصيرة ، من جمع يحتوى على أربعين ألف مقاتل ، ولا يحضره من الشجعان المعدودين إلا خمسة عشر رجلا ، وليعتبر بضمان العلج « 2 » بالظفر ، واستبشاره بالغنيمة لمّا زاد في أبطاله رجل واحد . وسمعت أستاذنا القاضي أبا الوليد الباجي « 3 » رحمه الله ، يحكي ، قال : بينما المنصور بن أبي عامر « 4 » في بعض غزواته إذ وقف على نشز من الأرض مرتفع ، فرأى جيوش المسلمين بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه ويساره ، قد ملئوا السهل والجبل ، فالتفت إلى مقدّم العسكر ، وهو رجل يعرف ( بابن المصحفى ) « 5 » فقال : كيف ترى هذا العسكر أيها الوزير ؟ قال ابن المصحفى : أرى جمعا كثيرا ، وجيشا واسعا ، فقال له المنصور : لا يعجزنا أن يكون في هذا الجيش ، ألف مقاتل من أهل الشجاعة والبسالة ؟ فسكت ابن المصحفى . فقال المنصور : وما سكوتك ؟ أليس في هذه الجيوش ألف مقاتل ؟

--> ( 1 ) يقال نشبت الحرب أو ناشبه الحرب أي نابذه . ( 2 ) العلج : الرجل الضخم القوى من كفار العجم والمقصود ( ابن ردميل النصراني ) ( 3 ) أبو الوليد الباجي القاضي سليمان بن خلف معلم الطرطوشي وصديقه ، سبقت ترجمته . ( 4 ) المنصور بن أبي عامر أمير الأندلس ، سبقت ترجمته . ( 5 ) هو جعفر بن عثمان أبو الحسن الحاجب الكاتب الوزير - سبقت ترجمته .